بعض مما أظنّه شعر

الاثنين، 10 مارس، 2014

حقيقة الحياة


حقيقة الحياة . 

وجدتُّ أننا نحيا في واقع الأمر هكذا دونما بوصلةٍ حقيقية 
وكأننا نحيا لأن الحياة واجبة ، كفرض نمارسه بالشكل الذي نستطيعه ، بالشكل الذي يحقق لنا أكبر قدر من كسر مذاق الواجب ، نمارس الحياة بأشكال مختلفة وَ متضادة حتى لكنها تشترك في دافع الرغبة التي جاءت كحل مثالي لتفادي شعور الواجب يحركها الفضول في إكتشاف هذا العالم المغري ، أخذتنا الحياة للتفكير بالخلود الأبدي رغم الشواهد الكثيرة واليومية لكننا لا نفهم إلا فكرة الخلود فهي المستقرة في العقل الباطن
وإن كنا نكثر الحديث حول الموت والآخرة او الفناء بلغة من لا دين له ، نقضي يومنا كأننا سنعيش أبداً
فتزيد رغباتنا والرغبة هي الشرارة الأولى لفكرة الخلود ، رغباتنا تقودنا للكثير من السلوكيات التي تنسينا حقيقتنا
كعابرين ، فنبدأ بالتخريب بقصد البناء والحرب بقصد السلام ، نصارع الحياة ونحن مؤقّتون كقنابل ، ندّعي ملكية الأشياء ونحن مهددون ، إنها فكرة الخلود تسيطر علينا وعلى تصرّفاتنا فنبدو مذعورين كلّما لاحت الشمس للمغيب وكأنّ للموت عيون تلمع لكننا نخيفه بالأضواء تلك التي اخترعناها لحظة غياب الشمس ، تتمدّد مشاريعنا
فتصل إلى مستقبل المستقبل و نتقاتل على نتائج التوقعات حتى نصاب بلسعة الموت فنتوقف . 
تبدأ الكثير من خططنا بالتلاشي ، شيء من إيماننا السابق يترنح بسكرة الخلود الزائفة ، نتحسس أطرافنا ونستمع لقلوبنا التي أصبحت خيّرة في غضون صدمة الموت هذه ، تفكيرنا يهبط لأقل من اللحظة حتى ، ينكمش
إنكماشة قصوى بعد التمدد الهائل ، يخفت الصوت ويتّسع التفكير الصوري لدينا ، يشمل صور الموتى كلهم والجثث والمقابر ويتخذ ألوانا أحاديّة أبيض مشعّ أو أسود قاتم ، وَ تنشغل النفس بالخوف ، لا تريد من الغد أن يأتي ولا من اللحظة أن تمرّ ، راضون بصعوبة اللحظة أكثر من الغد الذي لا نكون فيه أحياء ، تصبح الحياة بحد ذاتها رغبة للوصول إلى الفناء المرضي ، حتى الذين لا يعتقدون بوجود جزاء و حساب يحتاجون أن يفعلوا شيئاً لهذا الفناء كأعمالٍ خيرية في هذه الحياة تخلد مرورهم ، ذلك أن حدود الرغبة الذاتية أصبحت منخفضة إن لم تكن معدومة ، لماذا نحن موهومين بالخلود ؟! فكلما زادت نسبة الوهم هذا زادت لدينا الحياة بطريقة الجبابرة والطواغيت ، وكلّما كانت الآخرة أو الفناء قريبة من أذهاننا أصبحنا مهذبّين في الرغبات والصفات . 
الحياة : إنها الكذبة التي تزين للإنسان متاعبه . 

الجمعة، 7 مارس، 2014

حقيقة الموت .


حقيقة الموت .

لم أكن لأفهم حقيقة جديدة عن الموت من قبل أن أدخل مغسلة الأموات بجامع الراجحي ورائحة الكافور
تتصاعد بشكل كبير وتلتصق بكل خلية فيني وكل شيء متصل بي كـ اللباس وَ الشنطة و هاتفي ، أول وجه رأيته للموت هو جثّة دانا الممدة على المغسلة ملفوفة بما يدعى الكفن الذي أشاهده للمرة الأولى في حياتي بشكل حقيقي ، فزعت جدا وعدت للوراء لكن بكاء أختي وأمي جذبني لأدخل بقلب أقوى من ذي قبل ، الوجه مفتوح
لكنّه منتفخ الملامح تبدو أكبر مما هي عليه ، والطول أكثر من ذي قبل الأعين الكبيرة والأنف الصغير والفم العذب
بدا شاحباً ولسانها أبيض ، تتفقد أختي أسنانها فتظهر إثنان من الأسفل وأربعة من الأعلى سليمة كما عرفتها ، سنة وأربعة أشهر بالضبط لكنها مشهد حقيقي للموت ، لم أجرؤ على لمسها لكنني شعرت فيما شاهدت أن وجهها بلاستيكيّاً و كالبودرة على بشرتها ، لذا خفتُ ولم أقترب ، أُغمض عينيّ كل ثانيتين وأفتحها بفجيعة مع الكلام الذي أسمعه
تخبرني أختي أن بشرتها لينة جدا ً و أنا من المشاهدة اعتقدتها متصلبة جدا ، أخبرتني أيضاً أن جمجمتها هشّة
جدا تكاد أصابعها تنغرس فيها ، يا للفجيعة كيف استطاعت لمسها وحضنها مرات ، تقيس طولها وتقول مالذي فعلتموه لدانا لقد زاد طولها وهذا ما أرعبني بالفعل ، يا إلهي رأيت كيف نبدو مخيفين جدا دون هذه الروح المبهمة
فينا ، حول الجثة التي لم تعد دانا أربعة أخوات وزوجة أخ وأم مفجوعة وأم لهذه الأم ، على إثر بكائها أتت
سيدتين يشاركنها البكاء على أخ متوفّي قلت يا الله إنها حقيقة الموت التي تجعلنا نتشارك البكاء المبهم من المقاصد كلها ، ففي الموت يتجلّى حزنك بشكل حقيقي وحيد ، لا أحد بالفعل يعنيه بالشكل الدقيق ما أنت عليه ، والناس تتبدّل مراتبهم في قلبك ، مشيتُ بعد هذا المشهد الثقيل وأنا أفكر بهذا الوجع الذي هو فوق الكلام
فوق الوصف و كيف أن المارّين في الأسياب والشوارع يعيشون حياة طبيعية ، كيف لا يدركون أنهم مهددون بالموت ، كيف ينسون هذا ؟! أبكي وأنا أسمع أختي تقول : اليوم جنائز الراجحي تعنينا ، دانا أحد الأربعة أطفال والثمانية رجال والـإمرأتين ، إننا نصلي صلاة الميّت بشكل جدّي وقريب هذه المرة ، يارب ّكيف نَأمن والموت متربّص بنا وبأحبابنا ، يا الله لا نعترض على قدرك ولكنني أحاول فهم هذه الحقيقة الصعبة ، يلتوي التهديد على عنقي ومن بين يديّ وحول أشيائي التي أمامي  ، ليس له صورة لكنني بتُّ أتخيّله بوجه دانا ، يظهر لي وجه دانا في السماء في صدر الغيمة البيضاء وصدر السوداء أيضاً وفي السقف وعلى وسادتي ، تبكيني هذه الخيالات التي تقول أن وجوه أحبابنا التي ذهبت مع الموت باتت تهدّدنا أيضاً ، أشعر بقرب الحياة الأخرى وأخاف من يكون عليه الدور القادم ، إننا بعد الموت مصابون بالخوف والخذلان من الناس والذاكرة أيضاً ، الصور التي ترفض أن تحرقها الذاكرة تقتلنا وتجعل الأيام صعبة وسمينة جدا ، الموت إن لم يأخذنا فإنه يلسعنا بمروره
بيننا ويميت شعور ويخلق شعور آخر ، وأنا قد تخلّقت الكثير من المشاعر الفرديّة والتي تتأصل في العمق
وتتكاثر كالدود تزداد سميّة كلما تكاثر عددها وأول هذه المشاعر أنني بتّ اكره اللذين لم يؤدون واجب الإنسانية
وهم يعلمون ، ليس لـحاجتي بل لأن رائحة الموت كريهة كيف يشمّونها بصدر رحب وذاكرة زلِقة ؟
ذلك أن الموت لا يخطر ببالهم بالشكل الحقيقي الذي عشناه بل الموت  الذي هو لديهم محاضرة دينية فحسب
، فتركونا في قلب فجيعتنا نداري الموت أن يرحل عنا لكنّه لا يرحل ، بالقرب دائماً حاضرا في كل وقت
ومكان ، يده تطال جميع الكائنات ، خلقه الله ببأسٍ شديد لا تنفع فيه توسلات الأمهات ولا دموعهن يمرّ على عيونهنّ وعقولهنّ فيصرخن بإنهيار إلا من أكرمهنّ الله بالصبر  ، يأكل الموت حياتنا ويجعلها عارية لتبدأ سوءاتها
بالتكشّف ، و نزهدُ في رغباتنا التي لا إنتهاء لها ، و يفتح في قلوبنا عنبراً بإسم الذين فقدناهم ، أكتب هذا الكلام وأنا أشعر أنه يقرؤه وينظر إليّ وأنه قريب منّي ، أكتب الآن بخوف لكنني كتبت لأني شعرت بواجبي
بكتابة هذه الحقيقة .  

الثلاثاء، 4 مارس، 2014

ذنبُنا سعوديّون ..


ذنبُنا سعوديّون ..

وُجِدنا على هذه الحياة ولدينا مرجع يقيس حياتنا طولاً وعرضا ً و يشرّع  لنا الحياة المسموحة لنا  ..
و نحن تتابعنا جيل بعد جيل من التسليم والرّضا الذي لم يكن خياراً ولا رغبة ، أجيال تتابعت فيها
هذه السلوكيات التي نشأت عليها فاتخذتها جزء من أوراق الدّين التي لا نقاش فيها ولا سؤال ،
على أرضنا هذه لم نبحث عن الجد ّ الأول الذي مارس هذة الخرافة و أرشدنا لها وعلّمنا كيف
يمكن أن يكون معتقد الشخص بحد ذاته ديناً يؤمن به ويسوّغ له الدلائل الكافية لصلاحه
إلا أننا أخذنا من الجدّ هذا الدين ولم نأخذ الدلائل التي فُنِيَت لأنها خلقت من العدم ، نحن
نفهم جيّداً ولا يمكننا أن ننكر أن سعوديّتنا خط لا مساس و قد أضيفت للمقدّسات التي يكرم
المرء لأجلها ويُهان ، و نحن اليوم ندرك حجم هذه المعضلة وحجم مأساتنا نحن كأفراد ننتمي إلى
هذا المجتمع البائس ، نعم إن البؤس يتكوّن في عدم قناعتنا بثقافته إطلاقاً واضطرارنا للعيش
بمقتضى هذه الثقافة ، و بعيداً عن المقارنات القريبة والبعيدة وأبناء عم دولتنا آنا هنا أتحدّث عن ثقافة
مجتمع مازال شعبها يدرسها بشيء من الصعوبة واليأس كمسألة رياضية يشتم الطالب فيثاغورس لتورّطه بها
، كيف نتخلّص من فكرة المشاعر المحرّمة هنا ، من فكرة الطبيعة الإنسانية المحاربة ، والمثقّف الحقيقي المنبوذ
كيف بالإمكان أن نفصح بحقيقة معارضتنا ومقتِنا الشديد لهذه المعتقدات ، كيف يفهم الصامتون كَرْهاً أن قدح
مثل هذه الأفكار ليس قدحاً في آبائهم ولا أجدادهم و أن الراغبون بها لا زالون في ظلالهم يعمهون ، إننا بشر لسنا أسوياء مطلقا مادمنا نؤمن بالظلّ أكثر من إيماننا بالشمس ونؤمن بالصوت أكثر من الصورة ،  أنا هنا لن أتطرق لمشكلات تشترك فيها الدول العربية بل لمشكلة تخصّ السعوديين فقط ، هم تحديداً لأننا ما وجدنا هناك في بلد من البلدان تضخيماً لمسآلة الحب ّ مثل ما يحدث هنا ، من إنكاره وتحريمه إلى الإستخفاف به والإستخفاف بأهله ، الإعتراف بالمشاعر أمر محرّم ويعتبر مما يؤخذ على صاحبه حتى وفاته وكأنه عار ، تتناقل الألسن سيرة الذين عشقوا بشيء من التحقير ، المغالطة التي يقعون فيها ويوهمون أنفسهم كي لا تنطق أرواحهم
تدفعهم لأن يصبحوا مراهقين في مشاعرهم غير ناضجين ، نعم إنها الحقيقة نحن مراهقون بفعل مجتمعنا .. مراهقون مهما كبُرنا ، يتحدّثون عن المرء ذو العاطفة بالضعف والأخلاق الممسوسة ، حصَروا الأخلاق في الحبّ واللاحبّ  وكأنه لزام ٌ على المرء أن يكون سيئاً ليكون جيدا للمجتمع الذي ينبذ العاطفة  ، إذ أن العاطفة تعني هنا الشرف بالتّمام ، كبُرنا هكذا محمّلين بالتّهم إن خالفنا الطريق ، أو مثقلين بالصمت الأسود إن تبعناهم ، لا يمكن أبدا أن يتجرّد أحد من عاطفته التي تتشكل في محبة وإعجاب وصداقة و زمالة ، لم يخلق الله البشر
مجردون منها فكيف بنا ننكرها ، إننا ننكرها اليوم لطبيعة مجتمعنا وما فطرنا عليه منذ كلمة الحب الأولى ، ننكر أن تكون هناك صداقة نظيفة أو إعجابٌ ليس له دوافع فأصبحنا لزِجون في هذه النقطة تحديدا لا نعلم مالذي يعتمل في قلوبنا ، نقول يا الله بدعاء له منطق الحيرة .. لا نفهم لأنه لا إتصال حقيقي بيننا لا وضوح بين الطرفين
ولأن القيل والقال يبقى الهاجس الأعظم والبعبع الذي لا يغادر تفكيرنا ، مأكولون كأننا قصبة السُكّر ، ما إن يسمع أحد عن علاقة حدثت حتى تناقلتها الألسن والأجهزة بنفس الغرابة منذ أيام صاحب الخيمة ، يقول لي أحدهم في معرض الكتاب عام ٢٠١٢ حين انتقدت ماعليه أدباؤنا بنفس هذا المعنى : لن تجدي أحدٌ هنا إلا وله صاحبة.. عفواً ؟! رددت بفجيعة ، قال : " الزوجة تبقى شيء والصاحبة شيء آخر "، إنه عمل الأيدي التي تظنها باقية حتى قيام الساعة ، جعلت سلوكياتنا كالفِطر الذي يتكاثر برائحة مقيته ، ماذا لو كانت العلاقات جليّة وواضحة ؟!  ، ما المانع في أن نشبع الإعجاب فينا بشكل مهذّب ومسموح ؟! سيبقى الإعجاب فينا كبذرة الفاصولياء تتعاظم في صدورنا حتى نتفتّق بها وهذا حال الكثير وأنا إحدى هذا الكثير ، إنه من الوارد الحتميّ أن توافق طبيعتنا شخصيات فـنعجب بها لماذا يعتبر كفراً و أمر خارج حدود الأدب ؟!
نخشى المجتمع ،  نخافه ، فنمرض بـعواطفنا التي لو تُرِكت كما خلقها الله لكانت سليمة
إنني أجزم وبشدّة لو أتيحت لي الفرصة باللقاء والحديث مع الفئة التي أحبّ لـكونّا علاقات طيبة ونافعة
نافعة على الصعيد الشخصي والمجتمعي ، ولـزال خطر الشكوك وخطر الإرتباك الذي يخلقه الخوف من الحديث ،
من نحبّهم ليسوا ملائكة ، ليسوا معجزات ، إنها المسافة الفاصلة من تفعل هذا بحجة الحرص على التشبث بهم
ذلك أنني لا أؤمن بالحب لأجل الحب ذاته ، الحب المجرد ذاته لا أفهمه ولاأستسيغه أبدا ، أفهم الإعجاب الذي
يتعاظم أو الإعجاب الذي يتكاثر لصفات متعددة فيكبر ويتحوّل إلى حب ، ربما يكون هناك حبّ ولكنّي عن قناعة
لا أؤمن به ولا أجده .. إِذْ  أن بداية كل حب إعجاب .

ذنبنا سعوديّون لذا نُصاب دائماً بدُوارِ العاطفة الذي يخدش حياتنا الطبيعية كبشرٍ لو كانوا في مجتمع آخر
لما كان حديثه الدائم عاطفته الموؤدة وكيف يمكن أن يعيشها .